دراسات المرأة في الجامعات العربية: الواقع والمأمول

بقلم
هند مصطفى علي
تعريب
هند مصطفى علي

(دراسات المرأة) المصطلح : يعتبر مصطلح (دراسات المرأة) مصطلحا حديث الظهور على الصعيد العالمي. فقبل سبعينيات القرن العشرين، تمثلت الكتابات النسوية في أطروحات فكرية فردية، مثّلت علامات طريق وظلت مصدر إلهام سواء للحركة النسوية التي ظهرت منذ وقت مبكر في القرن التاسع عشر،

 أو للكتابات النسوية المعاصرة. 

ومع بداية السبعينيات حدثت النقلة المهمة للفكر النسوي إلى داخل الأكاديميا بظهور أول برنامج لدراسات المرأة في الولايات المتحدة الأمريكية تلاه قيام العديد من الجامعات والكليات الأمريكية باستحداث أقسام وبرامج لدراسات المرأة. ويؤرخ لانطلاق التيار النسوي في الأكاديميا بتأسيس دورية Feminist Studies في عام 1972، ثم دورية Signs في عام 1975، ومع تأسيس دورية Gender & Society عام 1986 كانت دراسات المرأة قد باتت حاضرة بقوة في العديد من الجامعات والكليات في جميع أنحاء العالم.ويعتبر حقل دراسات المرأة حقلا بينيا interdisciplinary تتقاطع عنده عدد من التخصصات العلمية بما يمكّن من مقاربة الجوانب المختلفة للقضية محل الاهتمام وهي حياة المرأة وخبراتها ورؤاها. ويدخل ضمن اهتمام الحقل دراسة الأنساق الاجتماعية والثقافية للنوع الاجتماعي؛ والعلاقة بين القوة وبين منظومة النوع، والتقاطع بين هوية النوع الاجتماعي والهويات والمواقع الاجتماعية الأخرى مثل العرق والطبقة الاجتماعية والاقتصادية. دراسات المرأة في الجامعات العربية : جاءت البداية في فلسطين حيث ظهر برنامج دراسات المرأة في جامعة بيرزيت عام 1994 وكان الأول من نوعه في فلسطين والوطن العربي، ثم تحول البرنامج إلى معهد عام 1998 ليصبح أيضا أول معهد في فلسطين والعالم العربي يمنح درجة الماجستير في تخصص النوع الاجتماعي والتنمية وبدءا من عام 2014 أصبح أول معهد يقدم برنامج على مستوى البكالوريوس في دراسات المرأة. وقامت من ثم عدة جامعات عربية بطرح برامج مختلفة تقدم دبلومات وبرامج ماجستير حول دراسات المرأة وحول النوع الاجتماعي. وعلى سبيل المثال، أنشأت الجامعة الأمريكية بالقاهرة معهدا للنوع الاجتماعي ودراسات المرأة عام 2000. وتقدم جامعة أحفاد للبنات في السودان برنامجا على مستوى الدراسات العليا بعنوان "النوع الاجتماعي والتنمية"، يتبع وحدة دراسات المرأة في الجامعة، وقد تحول هذا البرنامج في يوليو 2010 إلى المعهد الإقليمي لدراسات الجندر والتنوع والسلام وحقوق الإنسان.وفي لبنان، تقدم الجامعة الأمريكية ببيروت برنامج ماجستير في دراسات المرأة، وتقدم كلية الآداب بجامعة بيروت العربية دبلوما متخصصا في دراسات المرأة منذ عام 2010. 

وفي الأردن، يقدم مركز دراسات المرأة التابع للجامعة الأردنية والذي تأسس عام 2006، برنامج ماجستير. وفي تونس، يقدم المعهد العالي للعلوم الإنسانية ماجستير في الدراسات النسويّة. وفي اليمن، 

هناك مركز أبحاث ودراسات النوع الاجتماعي التابع لجامعة صنعاء، ويمنح دبلوم، وماجستير في التنمية الدولية والنوع الاجتماعي. 

ومنذ عدة سنوات أطلقت كليـــــة الاقتصــــاد والعلــــــوم السياسيــــة  بجامعة القاهرة بمصر، برنامــــج الماجستير المـهني فى الــــــنوع الاجتماعي والتنميــــة، بالتعاون مع هيئة الأمم المتحدة للمرأة ومعهد دراسات التنمية بجامعة ساسكس. وتقدم كلية البنات بجامعة عين شمس ماجستير في دراسات المرأة والتنمية.وتتوزع البرامج التي تقدم في الدول العربية على عنوانين رئيسين، هما: (دراسات المرأة)، و(دراسات النوع الاجتماعي) في تقاطعه مع التنمية أو القانون.

 بالنسبة لدراسات المرأة : تشمل المقررات الدراسية في الغالب : مقدمة في النظريات النسوية- الحركات النسائية في المنطقة العربية- التاريخ الاجتماعي للمرأة العربية- مشكلات المرأة العربية - المساهمة الاقتصادية للمرأة العربية . أما البرامج التي تركز حول النوع الاجتماعي، فإنها تضم العناوين التالية :مقدمة في مفهوم النوع الاجتماعي - النوع الاجتماعي والنظريات الاجتماعية  المعاصرة- النوع الاجتماعي والتنمية / والتنمية المستدامة - النوع الاجتماعي والدين - النوع الاجتماعي والثقافة والتغيير الاجتماعي - النوع الاجتماعي والاقتصاد/ والاقتصاد السياسي - النوع الاجتماعي والعدالة الاجتماعية - النوع الاجتماعي والحركات الاجتماعية والمجتمع المدني- النوع الاجتماعي والتحليل الاحصائي - النوع الاجتماعي ومناهج البحث العلمي. وتتقاطع هذه المقررات مع المقررات العالمية إلى حد كبير:- فهي تنطلق من الإطار النظري والمفاهيمي الذي يؤصل لمفهوم النوع الاجتماعي ويشرح تطوره في الأكاديميا الغربية، لكنه يقف دون محاولة  تأصيل المفهوم أو استخدامه في مقاربة المرجعيات العربية (هناك مثلا اجتهاد معاصر لمقاربة قضية النوع في القرآن وهو اجتهاد مهم نحو توطين مفهوم النوع الاجتماعي وتوظيفه ضمن الثقافة العربية).

- وهي تشرح ظهور وتطور الفكر النسوي الغربي وتلاوينه الأيديولوجية ومراحله المختلفة، دون بذل جهد مماثل في تأصيل الفكر النسوي العربي وبيان ملامحه خصوصيته، بعبارة أخرى يغيب طرح سؤال (هل هناك معرفة نسوية عربية؟ وما ملامح تميزها إن وجدت؟) وهو سؤال من المهم طرحه والسعي للإجابة عليه عبر قراءة إبداعية للإنتاج الفكري/الحركي الثري لرائدات النهضة النسائية العربية وللخطاب النسوي المعاصر. - كذلك فإن تلك المقررات عادة ما تقارب قضايا المرأة من المنظور الذي تطرحه الدائرة المعنية بدراسات المرأة العربية/المسلمة في الأكاديميا الغربية، وهي دائرة تتأثر بتراث بالخطاب الاستشراقي من ناحية وبالمرجعيات النظرية والمنهجية  المحيطة بها داخل الأكاديمي الغربية دون مسعى لتطوير مناهج جديدة مشتقة من المرجعيات الثقافية والفكرية والنظرية العربية كما فعل الغربيون في صياغة مناهجهم.

نحو مدرسة عربية في دراسات المرأة:رغم أهمية المحتوى العلمي الذي تقدمه الجامعات العربية حول دراسات المرأة إلا أن هذه الدراسات لا زالت في البواكير وتحتاج إلى مزيد من الدعم والتطوير على الصعيد الكمي والموضوعي لتتمكن من إيجاد (مدرسة عربية في دراسات المرأة) ترفد الفكر العالمي برؤى وطروحات جديدة وتحقق الأهداف التالية:

1- أصالة المحتوى، من حيث التعبير عن السياقات والمرجعيات الفكرية العربية خاصة وأن المنطقة العربية لم تكن في تطورها الفكري أقل اهتماما بموضوع المرأة على مستوى الثقافة والفكر، أو على مستوى الحركة النسائية. والحقيقة إنه يمكن تأصيل الفكر العربي المهتم بالمرأة وقضاياها رجوعًا إلى منتصف القرن التاسع عشر مع كتابات رفاعه رافع الطهطاوي ومفكري عصر النهضة العربية أمثال فارس الشدياق وأديب اسحق وجرجي زيدان وشبلي شميل وفرح أنطون وسلامة موسى وعبد الرحمن الكواكبي ومحمد عبده وقاسم أمين وأحمد لطفي السيد وطه حسين واسماعيل مظهر..الخ ، وقدمت النساء كذلك خطابا ثريا، يمكن رصد بداياته منذ نهايات القرن التاسع عشر. وعلى سبيل المثال شهد عام 1892 – أي قبل صدور كتاب تحرير المرأة لقاسم أمين عام 1899- صدور كتاب (الدر المنثور في طبقات ربات الخدور) للكاتبة زينب فواز العاملي وفيه تؤرخ لأعلام النساء ومنهن معاصرات لها، كما شهد صدور مجلة (الفتاة) لمؤسستها هند نوفل، وكلاهما من المهاجرات من الشام الى مصر. وكانت (الفتاة) بداية لصدور عدة مجلات نسائية بين مدينتي القاهرة والاسكندرية، خلقت ازدهارا في الصحافة النسائية خلال العقد الأخير من القرن التاسع عشر.وزخرت الساحة العربية بخطاب نسائي فكري/حركي قدمته سيدات أمثال ملك حفني ناصف (باحثة البادية) ونبوية موسى وهدى شعراوي ثم جيل درية شفيق وإنجي أفلاطون ولطيفة الزيات من مصر، فضلا عن الأصوات النسائية من باقي العالم العربي من أمثال مي زيادة (فلسطين) وحميدة العنيزي (ليبيا) وعادلة بيهم (سوريا) وعنبرة الخالدي (لبنان) وبشيرة بن مراد (تونس) ومليكة الفاسي (المغرب)...الخورخم الانحسار الذي شهده هذا المد الفكري عقب الثورات العربية خلال الخمسينيات والستينيات نظرأ لتبني الأنظمة الجديدة قضية المرأة ضمن أجنداتها ، لكن الفكر النسوي العربي جدد نفسه في السبيعينات وظل حاضرا وبقوة وعبر عن نفسه حركيا مرة أخرى في ثورات الربيع العربي.وكان الفكر العربي، لا سيما في بداياته، مميزا في مرجعياته وفي رؤيته لموقع قضية المرأة مختلفا عن الخطاب الاستشراقي بتحيزاته المسبقة، وعن الخطاب الحداثي بنزعته الفردية وموقفه المحيِّد للأبعاد المعنوية والأخلاقية خارج حدود العلم.

2- التعبير الحقيقي عن واقع ومشكلات المرأة العربية ، وتقديم توصيف علمي رصين لذلك الواقع وتقديم كذلك الحلول العلمية لمشكلات المرأة في المنطقة بحيث تكون الجامعات العربية مراكز فكر تقدم الاستشارة العلمية لصانعي القرار في المنطقة فيما يتعلق بتحسين واقع المرأة العربية في ضوء أولويات المرأة العربية ذاتها، لاسيما فيما يتعلق بالقضايا الحالة مثل أوضاع المرأة ضحية النزاعات المسلحة والنساء تحت الاحتلال (اللاجئات والنازحات) والمهمشات في الريف والمناطق العشوائية وغير الحضرية والنساء ضحايا المد الإرهابي، وكذلك القضايا المتعلقة بواقع المرأة محليا في ضوء خصوصية كل دولة عربية، فضلا عن القضية الكبرى؛ قضية الإصلاح الثقافي وتجديد الخطاب الديني عبر الارتكان إلى المرجعيات الصحيحة لا عبر نبذها بالكلية.

3- الإسهام العلمي الرصين في دراسات المرأة عالميا: إسهاما يرتكن إلى خبرة متميزة للمنطقة العربية. إن دراسات المرأة المعاصرة ورغم حيويتها، تواجه تحديات من داخلها لا سيما على صعيد مسألة محورية مثل مقاربة (الجوهر الأنثوي) وتحديد احتياجات المرأة وأولوياتها. وهي قضية لا يتسع المقام لبيانها لكن ، باختصار، هناك تيارات تذهب إلى تمجيد الطبيعة النسوية وتتحدث عن مميزاتها، وتيارات تتخذ من خبرات المرأة نقطة انطلاق وتعتبر أن للمرأة نسق معارف مختلف يجعلها ترى العالم بطرق مختلفة عن رؤية الذكور التي هي في الوقت نفسه الرؤية السائدة. من ناحية ثانية هناك تيارات رفضت تماما الاعتراف بالأنوثة كأمر طبيعي وأنكرت المنظرات المنتميات لما بعد الحداثة وما بعد البنيوية الاختلاف الجوهري بين الرجل والمرأة، واعتبرن أن النوع الاجتماعي، كأي هوية أخرى، يتخلق عبر الممارسات الخطابية، وطالما أن الجندر بناء تم تشكيله فبالإمكان تفكيكه، وليس له أي علاقة بجنس المرء. هذا القلق حول مسألة (الجوهر) يفرز قلقا في طريقة صياغة حلول واقعية لمشكلات المرأة. وهو قلق يرتبط في الأساس بمرجعيات الخطاب النسوي المعاصر، فعند البنيويين (في إطار منظومة الحداثة) صار تتبع تفاصيل اللغة هو وسيلة الوصول للجوهر، وعند ما بعد البنيويين/التفكيكيين (في إطار ما بعد الحداثة) ليس هناك جوهر من حيث الأساس، واللغة هي الوسيلة والغاية النهائية. وتأثرا بهذه المرجعيات تظل قضايا المرأة أحيانا أسيرة سجالات نظرية/ لغوية، يبدو وكأنها تخرج من التمركز حول الرجل إلى التمركز حول الأنثى دون معالجة حقيقية لمشكلات النساء على الأرض. وربما يؤدي إسهام نسوي عربي ينتمي لمرجعية تنظيرية مختلفة لدعم التيار النسوي العالمي في هذا السياق.***